هنا كل ما كتبت من مقالاتي وما نشرت هو عالمي مفتوح أمامكم أتمني اقامة طيبة


الاثنين، 22 أغسطس 2011

قصة قصيرة : انصهار جسد بقلم : محمد خطاب






صباح الخير أيها العالم ، أو بالأحرى وداعا أيها العالم لان  اليوم هو آخر لقاء لنا سويا .. نعم ، قرار اتخذته و لن أحيد عنه .. مهما كانت مغريات الحياة .. أو همهمات الروح و تخاذلها . الحياة لم تعد شيئا مغريا لمن دهسته تحت عجلاتها .. منذ الطفولة و أنا أحس أني غريب عنها لا أحد يهتم بي بعد موت أمي .. نشأت في الأحداث حيث وضعني أبي شرطا كي يتزوج ثانية .. ربما زارني و أنا طفل فما زلت أتذكر ملامح رجل قوي البنية ، جميل المحياة ، رائحته مميزة بالياسمين ، وطعم حلواه في فمي .. صحيح تاهت تفاصيل وجهه عني بفعل الزمن لكنه فارسي الذي لا يفارقني في الأحلام .. كم من ليلة بتها و دمعتي تغرق وسادتي لظلم أو تحرش وقع بي .. فيأتي أبي فارسا مغوار يزود عني في حلمي و لكنه سرعان ما يغيب وسط الضباب و لا أعرف سر هذا الضباب الذي يلفه في كل أحلامي .. فأنهض و أنا أنادي اسمه وسط ضحكات كل من في العنبر من أبناء الشوارع مثلي .. مرت الأيام سريعا و خرجت من الأحداث و تعبت رجلي من كثرة البحث عن عمل .. طرقت كل الأبواب و لم يهتم لأمري أحد .. فقد كنت بالنسبة لهم رجل مجهول الهوية .. الكل خائف مني لان ملامحي أقرب لملامح المجرمين كما قالوا .. افترشت الأرصفة و نمت أسفل الكبار مثل الكلاب الضالة .. كنت أرقب البواخر النيلية الفخمة - و هي تشق النيل و أضواءها المبهرة تتراقص علي صفحته  - بدهشة و حسرة .. فأنا لست أقل منهم .. هم بشر و أنا ..  لا أعرف  كينونتي .. فمثلي سراب لا يحس به أحد .. حياتي + موتي = صفر .. لا فرق بين هذا  ذاك .. في الليل خطفي بعض الرجل الأقوياء .. قاومتهم في البداية لكني سرعان ما استسلمت تحت ضرباتهم القاسية علي جزء من جسدي حتى فقدت الوعي تماما .. لازمني والدي و ضمد جراحي و أعطاني قطعة حلوي مذاقها بلسم .. ثم غاب في الضباب و تركني .. فتحت عيني بصعوبة و رأسي تكاد تنشطر من الألم و الصداع الرهيب نتيجة الضرب علي الرأس .. وجدت طبيب و معه ممرضة مبتسمة بشكل متكلف .. طمأنني الطبيب علي حالتي التي أثبتت التحاليل الطبية أني قوي مثل الثور .. سألته عن سبب التحاليل و أين أنا .. ضحك و قال : ألا تدرك أنك مقبل علي عملية كبيرة .
اندهشت و لم تطل دهشتي فقد فقدت الوعي و لم أدري بنفسي إلا و أنا ملقي في نفس المكان أسفل الكوبري و ألم مرعب في جانبي الأيمن و الدماء تغطي ملابسي .. فزعت و جريت علي أقرب مستشفي حكومي ولم أستطع الوصول لشباك التذاكر .. سقطت علي الأرض فحملني بعض الرجال للطوارئ و هناك أدركت حجم الكارثة و هي أني خارج لتوي من عملية استئصال كلي !! لطمت وجهي و أنا ألعن الدنيا و من فيها .. و حين سألني الضابط عن الأحداث أو الأشخاص لم أستطع الإجابة .. لأني كنت مغشيا علي تحت تأثير الضرب و البنج .. و ليست لدي أدني فكرة عن المستشفي .. لم يستطع الضابط مساعدتي وان كان شكك في روايتي و أني تبرعت بالكلي مقابل المال و لا أريد أن أرشد عن اسم المستشفي حتى لا يفتضح أمري ..
أدركت أن حقي ضائع لا محالة .. سلمت أمري لله ..  وتم حجزي بالمستشفي لحين شفائي من تأثير العملية وحين خرجت كنت كارها للحياة و البشر .. اشتريت مطواة و بدأت في التحرش بكل من يسير في الشارع .. تحصلت علي الكثير من الأموال .. و خافني الناس و بدأ الكبار يطلبوني بالاسم لإرهاب أعدائهم .. لم يمت ضميري فقد كان قاسيا معي .. ولكن شهوة الانتقام كانت تجعلني أتغلب عليه .. حتى جاء يوم و قررت الموت للشفاء من نفسي السقيمة و أتطهر منها .. أغرقت جسدي بالجاز و أشعلت الكبريت  و أنا فرح .. شبت النار في كل جسدي .. صرخت من قسوة الألم .. حرارة شديدة تصهر جلدي كله .. صرخت و الناس الملتفة حولي تبكي لحالي .. كان هذا آخر شيء أدركه قبل أن تلتهم النيران مقلتي  و أتفحم .
نشرت في :
مواجهات
مصراوي
مصرس
شباب مصر
المصري اليوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق