هنا كل ما كتبت من مقالاتي وما نشرت هو عالمي مفتوح أمامكم أتمني اقامة طيبة


الجمعة، 12 أغسطس 2011

البعث بقلم : محمد خطاب


هل عاش أحدكم زمن المخلوع ؟ سؤال غريب ولكن طرأ علي بالي من منكم عاش هذا الزمن بتفاصيله ، بأغانيه ، بمسلسلاته ، من منكم عاش و صورة مبارك راسخة في قعر عينيه عنوة علي الحائط في صدر الجرائد اليومية و المكاتب العمومية و المنازل و المستشفيات و التلفزيون نشرة الواحدة ونصف علي الأولي ونشرة الثالثة عصرا علي القناة الثانية و نشرة التاسعة علي القناة الأولي و نشرة الثانية عشرة علي الثانية و بعد نشرة التاسعة تقرير إخباري يتناول جولات المخلوع في الخارج و الداخل و البر و الجو و فطنته و حنكته في قيادة البلاد ناهيك عن أعياد أكتوبر وحفلات تتحدث عن الضربة الجوية فقط ! وصوت علي الحجار ( النسر المصري شق السما ... ) و صفاء أبو السعود و محمد ثروت و أشعار عبد السلام أمين وتلحين الشريعي و كمال الطويل ، أيضا خطابات المخلوع في كل وقت و بمناسبة و بدون و نحن كالبلهاء نجلس بجوار آبائنا في انتظار كلمة المنحة يا ريس فتنطلق الكلمة الرئيسية ( ما خدتوها يا حبيبي ) فتنطلق الضحكات الحمقاء من أفواه مأفونين و تداخلات للمأجورين و هم يلقون الشعر و يتغنون بالزعيم الأوحد . أغلق التلفزيون و أنا أكتم سؤال تجرأ و طرأ علي عقلي : ماذا لو مات مبارك ؟ دق قلبي بعنف و خفت أن يكون سمعني أحد من أمن الدولة و أظل ألوم نفسي حتى الصباح .. وكنت ممن عاصروا المرعب زكي بدر وزيرا للداخلية و تصفيته للجماعات الإسلامية و استغلال ذلك في تحويل مصر لمعتقل كبير .. كنت أخافه جدا وهو في التلفزيون مجرد صورة حتى أصبح صورة لرقيب لا يفارقني .. كنت أكتب خواطري عن المخلوع احكي عن مدي كرهي له و أمزقها قبل أن يجف الحبر .. لم يخطر علي بالي أيدا أن أكتب كلمة واحدة عن استقالت أو وفاته أو خلعه ربما لان الرسالة الإعلامية صورت إن مبارك السلام و بدونه تهتز الأرض و تقوم حروب لا هوادة فيها مع عدو شرس لا نستطيع مجاراته .. والإعلام كان يضخم في قدرات العدو الصهيوني من أجل تمهيد الطريق لاحتلال آل مبارك للسلطة و لا أنسي مقالة في احدي جرائد المعارضة و أحد الأفاقين يكتب مقالة بعنوان : أرجوك يا رئيس أقنعه و أرجوك يا جمال أن تقبل ؟ وكانت تدور حول التوريث للمحروس جمال ، أول احتكاك مع الأمن في قصيدة عاطفية كتبها صديق لي في الكلية أثناء أعداي لحفل و إذا برجل الأمن يستدعيني كيف لم أعرض عليه هذه الفقرة من قبل .. اندهش و قلت أنها قصيدة عاطفية و صديقي رومانسي حبتين ابتسم و تركني أخرج غارقا في بحر من التساؤلات عن التفسير الأمني للأدب فهو كمثل من يستخدم مدفعية ثقيلة لإسقاط البلح من علي النخيل .. لم أر شيئا سيئا في مبارك في حتى بداية العقد الثاني من عمري لان تلك ثوابت مجنون من يفكر بها . فقد كانت  كل كوارث مصر المتسبب بها الحكومات المتمثلة في الوزراء لا في شخص قائد الضربة الجوية الأولي  ، و أن كل الايجابيات هي من صنع ومباركة مبارك . كل سلبيات الرئيس تقلب لايجابيات هكذا دون تفكير ! و الوقت لم يكن يسمح بالحوار و المناقشة لا أمنيا و إعلاميا ؛ لوجود إعلام موجه حكومي قادر علي الزن المستمر و تسميم الأفكار ببطولات وهمية ، فلما لم يجدوا للرجل بطولة جديدة جعلوا التوريث بطولة .. نعم لقد أنهوا أي احتمالات  أخري لمستقبل البلاد .. كانت تتولد داخلي شجرة مثمرة اسمها الكراهية لهذا الفرعون الذي خلقناه بأيدينا حتى أصبح واهب الحياة و مانح الحرية وراعي الديمقراطية و داعي السلام و غيرها من أكاذيب وزارة التربية والتعليم حتى أنها ابتكرت الكارثة الساحقة و هي أن يردد التلاميذ في المدارس قبل السلام الوطني ( باسم و باسم السلام الذي نادي به الرئيس حسني مبارك و .. ) ثم يعقبها الله أكبر ثلاثا و السلام الجمهوري .. تخيلوا ما نفعله بأبنائنا !! كانت عقولنا مغموسة في ماء آسن من صنع النظام .. كان ينتابني شعور المهانة كلما ردد تلميذ تلك الترهات و أكره تلك الدقائق كثيرا .. كما كرهت كتب التاريخ التي اختصرت انجازات كل من حكموا مصر ما عدا مبارك طبعا
.. في يوم عشرين كتبت في مدونتي  خاطرة بعنوان : جسد بوعزيزي أنار الطريق ، فمن يسلكه ؟!- محمد خطاب  
حلمت بمصر أخري غير الذي تربيت عليه .. مصر حرة .. وكنت احتقر وزير الثقافة الأسبق حين يبتسم في حماقة ويقول مصر مبارك غير تونس زين العابدين و يردد خلفهم الجوقة أسامة سرايا و عبد الله كمال و  الفقي و .. من أركان النظام البائد . وكانوا كلما تحدثوا بأريحية عن استقرار نظام مبارك كلما أيقنت أن غبائهم منتهاهم .. كانت الشعلة تزاد اشتعالا و النور يضيء لي سراديب عقلي التي كانت مظلمة لعقود و أصبحت الحقائق جلية أمامي .. في ويم 25 يناير 2011 رأيت الشعب في القنوات العربية و الأجنبية  يجوب شوارع مصر علي اتساعها مطالبين بالتغيير ، وفي التلفزيون المصري كل شيء هادي في ميدان التحرير .. ازداد الكذب الرسمي و علا بداخلي صوت الحرية .. أحسست بمشاعر مختلطة تعصف بما تبقي لي من عقل ، وهي مشاعر نابعة من إحساسي أن الأرض الثابتة التي كنت أخطوا عليها  منذ الصغر تغيرت ، و اليقين بسيادة الظلم علي الأرض تزعزع ، و الاستسلام لذوي النفوذ تبدل ، و الانهزام النفسي و الإحباط و القلق و التوتر و الخوف و التهميش و الغربة و السلبية ذهبا لغير رجعة .. أحسست بولادة إنسان آخر لا أعرفه ، أربعيني يبعث من جديد .. شعور لا يمكن اختزاله في كلمات أو حروف أو عبارات لان الوصف سيكون قيدا علي مشاعر إنسان وليد .



نشرت في :
البداية الجديدة 
المصري اليوم 
دنيا الوطن
أخبارك
 الجورنال
الديوان 
مصراوي 
الأهرام 
مواجهات 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق